عبد الوهاب الشعراني
170
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
أنكر تعلّق العلم الإلهيّ بالتّفصيل ، وذلك لعدم التّناهي عنده في ذلك ، وغاب عنه أنّه « 1 » - تعالى - محيط بأنّ معلوماته لا تتناهى بعد تعلّق علمه بها ، كذلك قال الشيخ : وأمّا نحن فقد رفع الكشف عندنا الإشكال في هذه المسألة ، فألقى في قلوبنا أنّ العلم نسبة بين العالم والمعلومات ، وما ثمّ من له القدم وعدم الحدوث إلّا ذات الحقّ - تعالى - فقط ، وهي عين وجوده تعالى ، ووجوده - تعالى - ليس له افتتاح ولا انتهاء ؛ لأنّه نفى البدء والنّهاية من جملة درجاته التي تميّز بها عن خلقه . قال - تعالى - : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ « 2 » ، ثمّ لمّا كانت المعلومات متعلّق وجوده تعالى ، فتعلّق ما لا يتناهى وجودا بما لا يتناهى معلوما ومقدورا ومرادا وغير ذلك ، فتفطّنوا أيّها الإخوان لهذا الأمر الدّقيق ، ولعلّه ما طرق سمعكم قبل ذلك ، فعلم أنّ ذات الحقّ - تعالى - لا توصف « 3 » بالدّخول في الوجود المتناهي ؛ إذ كلّ ما دخل في الوجود المتناهي متناه ، والبارئ - جلّ وعلا - هو الوجود الحقيقيّ ، فما هو داخل في هذا الوجود المخلوق ؛ لأنّ وجوده - تعالى - عين ماهيّته بخلاف وجود غيره ، وعلى هذا نأخذ المقدورات والمرادات وغيرها « 4 » . فإن قيل : هل وصل أحد من العلماء باللّه - تعالى - إلى معرفة سبب بدء العالم ؟ فالجواب : قد قال الشّيخ محيي الدّين في الباب الرّابع من " الفتوحات " ما نصّه « 5 » : اعلم أنّ أكثر العلماء باللّه - تعالى - ليس عندهم معرفة بسبب بدء العالم إلّا تعلّق العلم القديم « 6 » به لا غير ، فيكون - سبحانه وتعالى - علم من العالم ما علم أنّه سيكون « 7 » ، وهنا
--> ( 1 ) " د " ، " ب " : " وغاب أنه " . ( 2 ) ( غافر ، الآية 15 ) . ( 3 ) " ك " ، " ز " : " تتصف " . ( 4 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 9 . ( 5 ) عنوان هذا الباب " في سبب بدء العالم ومراتب الأسماء الحسنى من العالم كله " ، وفي مفتتحه يقول دالا على مضماره ومضمونه : في سبب البدء وأحكامه * وغاية الصنع وإحكامه والفرق ما بين رعاة العلى * في نشئه وبين حكامه دلائل دلت على صانع * قد قهر الكل بأحكامه انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 1 / 153 . ( 6 ) " د " ، " ب " : " القديم " ليست فيهما ، وهي في الفتوحات ، وعبارة محيي الدين : " إلا تعلق العلم القديم بإيجاده " . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 154 . ( 7 ) عبارة الفتوحات : " فكوّن ما علم أنه سيكوّنه " . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 154 .